ابن تيميه
54
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
فالنهي عن السفر لما ليس بمشروع مما يسمى زيارة لقبره وليس زيارة أولى وأحرى . وقد ذكر هذا مالك وغيره من العلماء ؛ ذكروا أنه لا يستحب بل يكره للمقيمين بالمدينة الوقوف عند القبر للسلام أو غيره ، لأن السلف من الصحابة لم يكونوا يفعلون ذلك إذا دخلوا المسجد للصلوات الخمس وغيرها على عهد الخلفاء الراشدين ؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي اللّه عنهم ، فإنهم كانوا يصلّون بالناس في المسجد ؛ أبو بكر وعمر فصليا بالناس إلى حين ماتا ، وعثمان إلى أن حصر ، وعلي صلّى فيه مدة مقامه بالمدينة إلى أن خرج إلى العراق . وكان الناس يقدمون عليهم من الأمصار يصلّون معهم . ومعلوم أنه لو كان مستحبا لهم أن يقفوا حذاء القبر ويسلّموا أو يدعوا أو يفعلوا غير ذلك لفعلوا ذلك . ولو فعلوه لكثر وظهر واشتهر ، لكن مالك وغيره خصّوا سن ذلك عند السفر لما نقل عن ابن عمر . قال القاضي عياض : قال مالك في « المبسوط » : وليس يلزم من دخل المسجد وخرج منه من أهل المدينة الوقوف للقبر . وإنما ذلك للغرباء . وقال فيه أيضا : ولا بأس لمن قدم من سفر أو خرج إلى سفر أن يقف على قبر النبي صلى اللّه عليه وسلّم فيصلّي عليه ويدعو له ولأبي بكر وعمر . قيل له : فإن ناسا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر ، وربما وقفوا في الجمعة أو في الأيام المرة أو المرتين أو أكثر من ذلك عند القبر ، يسلّمون ويدعون ساعة . فقال : لم يبلغني هذا عن أهل الفقه ببلدنا ، وتركه واسع ، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها ، ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك . ويكره إلا لمن جاء من سفر أو أراده ، وإنما اشتهر هذا عن ابن عمر أنه كان إذا قدم من سفر أتى القبر فقال : السلام عليك يا رسول اللّه ، السلام عليك يا أبا بكر ، السلام عليك يا أبت . وممن رواه القاضي إسماعيل بن إسحاق في كتاب « الصلاة على النبي صلى اللّه عليه وسلّم » قال : حدّثنا سليمان بن حرب ، قال : حدّثنا حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ؛ كان إذا قدم من سفر أتى المسجد ثم أتى القبر فقال : « السلام عليك يا رسول اللّه ، السلام عليك يا أبا بكر ، السلام عليك يا أبتاه » « 1 » . فإن قيل : مالك وغيره استحبوا للغرباء كلما دخلوا المسجد أن يأتوا القبر ، وهذا يناقض ما ذكر عنهم من النهي عن السفر لأجل القبر ، فإنهم خصّوا الغرباء المسافرين بقصد القبر ، فيكون لهم في المسألة روايتان . قيل : ليس الأمر كذلك ؛ بل هم استحبوا للغرباء الذين قدموا لأجل الصلاة في المسجد أن يقفوا بالقبر ويسلّموا ، كما استحبوا لهم أن يأتوا مسجد قباء ، وأن يزوروا
--> ( 1 ) تقدم تخريجه .